share this article

أول مرة أتسلق جبل كانت في "خاو سوك ناتيونال بارك" في تايلاند، كنت في إجازة مع أقرب صديق ليا، ولسه مخلص الجامعة وكأغلب رجالة مصر لبست وراها جيش، يعني تقدر تقول في مفترق طرق في حياتي، بين كارييرالمزيكا والأفلام أو أي حاجة تانية عمري ما جربتها. من صغري كنت بلعب مزيكا، وكل ما أكبر كنت بحاول أشوف طريقة إني اشتغل في المجال ده - الموضوع صعب في مصر بس مش مستحيل - بس بعد فترة، كانت حاجة محبطة جدًا إني اكتشف إن معنديش رغبة كفاية إني أجري ورا الموضوع ده، بس القرار ده هو اللي فتح لي كذا سكة لحاجات تانية وأهلي برضه كانوا هيعترضوا عليها، زي تسلق الجبال.

بعد إسبوعين من السفر في شمال تايلاند، كنت عايز أزور الأدغال في الجنوب الغربي. شوية ولقيت نفسي مريح قدام بحيرة جميلة في "خاو سوك ناتيونال بارك" خيمتي منصوبة وكل حاجة تمام. بس هم 20 دقيقة ولقيت نفسي زهقان وبفرُك، عيني كانت خدت على جمال البحيرة والجبال اللي حواليها، قولت ما بدهاش وقررت إني لازم أشوف حاجة أعملها. بالصدفة كان في ناس بتطلع الجبل اللي طالع من البحيرة، طبعا كان عندي فضول أشوف إيه الدنيا. مشيت وراهم لحد ما وصلوا عند كام كوخ من شجر البامبو وشوية قوارب مكسحة. اتكلمت معاهم 10 دقايق واتفقنا إني هعمل شاي وقهوة وأجهز معدات زباينهم كل يوم الصبح، في مقابل إني اروح معاهم. وكمان عرضوا يدوني دولار عن كل يوم شغل، وده ساعدني أقعد يوم زيادة.

يمكن غلطتي الوحيدة إني كنت عايز أكتر من كده من الطبيعة

بعد 4 أيام من القهوة والشاي، والمعدات المضروبة، اتعرفت على عالم التسلق. الموضوع كان زي ما اكون خدت قلم على وشي. كم المعلومات اللي خدتها كان مهول، إزاي قعدت كل ده قبل ما اكتشف العالم السحري ده؟ حسيت إن الدنيا نورت قدامي من تاني، وده كان الوقت إني أتعلم أول درس حقيقي في التسلق.

البداية
قمت مع شروق الشمس في آخر يوم ليا عند البحيرة، وبعد فطار سريع قابلت صياد كنت اتفقت معاه من قبلها ياخدني لمجموعة جبال معينة شكلها عجبني، (لحد انهارده معرفش اخترت الجبال دي على أي أساس)، وطبعًا مكنتش أعرف إن تسلقها صعب جدًا. نوع التسلق اللي رحت أعمله اسمه deep water solo، اللي هو مبتستعملش أي حاجة غير جزمة التسلق وبتعتمد على المياة تحتك إنها تحميك من أي وقعة. الحقيقة مكانش اختيار واعي مني، بس كان غصب عني علشان مكنش معايا أي معدات.وصلنا بعد 20 دقيقة في مركب الصياد. درست المكان وحاولت اتخيل هحط رجلي فين، وهريح فين، وازاي هحرك جسمي من مكان للتاني. اتعلمت إن التخيل ده أهم حاجة قبل التسلق، وقبل حاجات تانية كتير كمان. أول حركتين كانوا صعبين وجسمي كان في وضع مش مريح، بعد كام دقيقة نسيت نفسي وكنت بمسك في أي حاجة قدامي. بعد حوالي 20 متر من الكحرتة والتسلق، حركت رجلي فوق طوبة حسيت إنها هتشيل وزني، بس مطلعتش قوية كفاية زي ما اكتشفت. فاكر إني اتزحلقت ووقعت في فراغ طوله 20 متر ومش حاسس بحاجة غير رعب وترقب. الحاجة اللي فاكرها بعد كده إني صحيت على شاطىء البحيرة وكذا وش بيبصلي باستغراب، من ضمنهم الصياد اللي قالي إني وقعت في المياة بزاوية وأغمى عليا لما اتخبطت وهو قعد دقيقتين على ما عرف يغطس ويوصلي ويطلع بيا.
حظي كان حلو، وقعة زي دي كان ممكن تعورني جامد، بس أنا طلعت منها برقبة ملتوية بس. وأنا ماشي من البحيرة، مكنتش لسه عارف قد إيه التجربة دي مهمة وهتغير في حياتي.

NIREKHA
مقعدتش كتير بعد كده عشان أرجع أتسلق. عن طريق كذا صدفة قابلت حسن – شريكي – وماركو، أستاذي. والاتنين دلوقتي من أقرب صحابي. اتعلمت منهم كتير عن التسلق وأكتر عن الصداقة والثقة. الرحلات دي مهدت الطريق لتاني درس ليا في التسلق. زي أي هواية، الواحد بيتغّر شوية كل ما مهارته بتزيد، بالذات لما يبقى في ناس قليلة في البلد يعرفوا يعملوا اللي إنت بتعمله. كنت فاكر إني فاهم في التسلق، بس Nirekha وراني إني معرفش أي حاجة.
الموضوع ابتدى لما قريت Prisoner De l’Annapurna  لـ Maurice Herzog، اللي بيحكي قصة أول رحلة لقمة جبل ارتفاعه 8000 متر. وبعد كده شفت Meru، الوثائقي اللي بيتكلم عن الرحلة اللي قعدت 3 سنين علشان تكملة أول طلوع Shark’s Fin على جبل Meru اللي عملها Conrad Anker، وJimmi Chin، و Renan Ozturk في 2015. اللي فعلًا أثر فيا، قد إيه القصتين كانوا شبه بعض، مع إن الفرق بينهم 60 سنة. المتسلقون دول هزموا المنحدرات الثلجية وكل المشاعر البشرية اللي ممكن تخطر على بالك. في الرحلات دي عدوا على الدورة الكاملة لحياة بني آدم – خسارة، وهزيمة، ومجهود، ونجاح، وعواقب – كل ده تحت ضغط رهيب.

وصلنا قبل الغروب علطول ولقينا الخيم بتاعتنا متقطعة 100 حتة والعدة مرمية في الوادي

دي كانت هتبقى أول مرة أشوف فيها ثلج ومكنتش عايز ابقى على جبل زي Meru أو Annapurna. مع ذلك كنت عايز التجربة تبقى مختلفة، فماكنتش عايز أتسلق جبل عليه أكتر من متسلقين اتنين. عدى كام شهر ولقيت المكان المناسب، Nirekha – جبل ارتفاعه 6169 متر عند جبل إيفرست. الجبل ده تم تسلقه 7 مرات بس، ومكانش في معلومات كفاية عن الطريق علشان صعوبة الوصول ليه. بالنسبة لحد خبرة زي Conrad Anker الموضوع كان هيبقى عبيط، وبالنسبة لمتسلق الجبال العادي برضه الموضوع كان سهل. بس بالنسبة ليا الموضوع كان هيكون أصعب تجربة تعدي عليا نفسيًا وجسديًا في حياتي.
ظبطت مع Chhewang، مرشد محلي كان عايز يجرب يطلع القمة دي ويشوف دنيتها، توقعنا إن الموضوع هياخد مننا يومين تلاتة على الجبل، و12 يوم من كاتماندو علشان نوصل للمعسكر اللي تحت الجبل. أول مرة نشوف الجبل كانت بعد ما عدينا ممر Cho La. مفيش حاجة الواحد ممكن يعملها تجهزه للأجواء على ارتفاعات عالية كده، غير إن أعلى ارتفاع طلعته قبل ده كان حوالي 1500 متر فوق سطح البحر. منظر ال6000 متر خضني وكان في توتر كده في المعسكر. مع ذلك خدنا بعضنا وابتدينا نطلع، وعملنا المبيت بتاعنا في تاني يوم لينا وحطينا العدة ورجعنا لسفح الجبل.

زي أي تسلق لإرتفاعات عالية، احتاجنا نظبط ونعود جسمنا على نقص الأوكسجين والضغط الجوي الواطي. كل حاجة كنت بعملها مهما كانت صغيرة كانت بتاخد مجهود رهيب. لما جينا ننزل للسفح لاحظنا إن في جو وحش جي علينا، فـدخلنا فتحة على الجبل لحد ما الجو الوحش يعدي، بس معظم العاصفة كانت تحتنا (كنا خلاص فوق طبقة السحاب في المعسكر الأول)، وتوقعنا إن المعسكر اللي تحت الجبل هو اللي هيحس بالعاصفة أكتر من أي حد. وصلنا قبل الغروب علطول ولقينا الخيم بتاعتنا متقطعة 100 حتة والعدة مرمية في الوادي.

الجو كان برد لدرجة إن الكاميرا اتجمدت
لحقنا كيس لوز وشوية أكياس شاي. بالليل الحرارة نزلت لـ 20 تحت الصفر، فـاتكمرنا في أكياس النوم بتاعتنا وشربنا حاجة سخنة، محدش فينا جاله نوم ليلتها، بس اللي ريحني إني كنت عارف إن الموضوع خلص خلاص. حاولنا وعملنا اللي علينا بس الجبل مكانش ناوي يعديها البر. تاني يوم كنا هنصحى مع الشمس ونرجع كاتماندو. قبل نص الليل بحاجة بسيطة، صوت Chhewang صحاني.

هو: قوم اجهز، هنتحرك الساعة 12. خد معاك مياة.
أنا: نروح فين؟ معناش لا أكل ولا حتة نبات فيها.
هو: 6 لوزات كل واحد، هنروح 15 ساعة. كل اللي محتاجينه إننا نطلع فوق ونشوف السكة علشان لما نيجي نحاول السنة الجاية.
أنا: هنروح من غير أي عدة؟ حبل بس ومياه؟
هو: آه، هنتحرك 12.أنا كحازم اقتنعت.
اتحركنا بعد 12 بحاجة بسيطة، والكشافات اللي على راسنا منورة حتة صغيرة من الطريق قدامنا. قعدنا أكتر من 3 ساعات على ما وصلنا للمعسكر الأول – اللي خد مننا أكتر من 6 ساعات علشان نوصل في أول مرة -. كنا بنتحرك بسرعة وبفاعلية وفاهمين بعض، كل واحد مع نفسه بس بيعمل المطلوب علشان الفريق ينجح. وصلنا أول الطريق من الناحية الغربية وخدنا راحة علشان نتكلم ونشوف هنعمل إيه. خدنا أكتر من 3 ساعات علشان نقطع 250 متر، بس أنا كنت فاكر إن كدة الصعب عدى.

النتوء اللي كنا فيه اتغطى بالثلج والتسلق بقى أسهل شوية. قعدنا نعافر في ثلج ممكن تغرس ومتطلعش فيه، لحد ما وصلنا التقاطع بين النتوء الغربي والناحية الشمالية، الحتة اللي منها كان طريقنا هياخدنا للمكان اللي كنا هنحط فيه المعسكر التاني. وقفنا فجأة لما لقينا 10-15 متر ثلج خفيف، لو إنت مخدتش بالك هينهار بيك. اتناقشنا شوية هنعمل ايه، وملقناش قدامنا سكة حوالين الثلج الخفيف.

فكينا من بعض و Chhewang نط في الفضا وهو تحته 1000 متر من الولا حاجة

ساعتها كان المفروض آخد قرار إني ألف وأرجع.
المسافة الـ 10-15 متر دي كانت بالنسبالي مش جايبة همها ومش مستاهلة المخاطرة، ولحد النهارده معرفش إيه اللي خلاني أكمل. فكينا من بعض و Chhewang نط في الفضا وهو تحته 1000 متر من الولا حاجة. أول ما وصل ناحية نتوء كده، لف من عنده ومبقاش في أي وسيلة نتواصل مع بعض، ومكنتش شايفه أو سامعه - كان اختفى خلاص وأنا مشيت وراه -. كنت بقدم رجل واأخر رجل، وكل شوية بقرب من الفراغ أكتر من المطلوب. المنظر كان مرعب، كنت شايف السحاب تحت مني وشايف كمان الأرض تحتهم. بمعجزة ما الثلج مسك نفسه (أكتر ما أنا كنت ماسك نفسي) وقعدت أكتر من ساعتين على ما وصلت للمكان اللي المفروض كان هيبقى المعسكر التاني، ولقيت Chhewang بيحضرلنا حاجة سخنة.بستمتع بكوباية شاي وأنا باصص على المنظر الجميل لجبل Lhotse، رابع أعلى جبل في العالم

هو: قعدت كتير كده ليه؟ افتكرتك وقعت ومت Hahaha
ساعتها حسيت إني ممكن أكون فعلًا محمل نفسي فوق طاقتها، وحسيت إني بقيت عبء على نفسي وعلى Chhewang. وقررت إن لازم أرجع بقى، بس القرار ده كان متأخر شوية. بصيت ورايا وشفت المنحدرات الثلجية، وشفت الطريق المؤدي للقمة اللي تحسها واصلة للسماء. لقيت إننا هنحتاج 3 ساعات علشان نوصل، فليه منعملهاش؟

في المجمل، الرحلة رايح وراجع قعدت 15 ساعة، قضينا 10 دقايق فوق بنتأمل المنظر الجميل حوالينا. جبل إيفرست كان منظره جميل من مكاننا، على ارتفاع 6 كم فوق سطح البحر. رجعنا الوادي تحت وقضينا ليلة في سالب 5 تحت الصفر بس ده كان دافي مقارنة بالجبل، ومكانش معانا لوز خلاص، كنت حاسس بسعادة ونشوة وامتنان. تسلق الجبل كان بفضل مجهودي أنا و Chhewang، ونسيت تمامًا إن حظي كان حلو إني نزلت سليم، مكانش المفروض أصلًا أطلع الجبل ده.منظر إيفرست الجميل من القمة
ما بعد الرحلة
قبل ما أتسلق Nirekha، عمر سمرة كان لطيف جدًا وعرض عليا معداته الشخصية وخبراته كمتسلق جبال، ولسه لحد النهارده بيعمل ده لما اجي أتسلق أي جبل. لما رجعت، عمر عرض عليا أنضم لعائلة Wild Guanabana.عدى على كل ده أكتر من سنتين، ومن ساعتها قدت رحلات تسلق في العالم كله لعملاء من كل حتة. وكمان حققت كتير من أهدافي الشخصية إني أتسلق الهيمالايا وحتت تانية كتير. الفرص دي بتسمحلي مش بس إني أشارك خبرتي مع ناس دماغها زيي، كمان نشارك ونتواصل مع بعض على مستوى عميق جدًا. الوقت اللي بقضيه مع الناس دي على الجبل أهم من أي قمة ممكن أوصلها، وأنا بتعلم منهم زي ما بيتعلموا مني. أهدافي دلوقتي إني أتسلق جبال فيها تحدي آه بس في نفس الوقت مش مميتة. بقيت مهتم بالطرق الصعبة أكتر من رحلات التسلق السهلة رغم إن فيها خطر كبير. تحقيق التوازن مش سهل بس أنا سايب نفسي للدنيا تاخدني حتت جديدة مثيرة في أي فرصة.

Translated by Mostafa Adel