share this article

فكرة إنك تحتك بثقافة جديدة وتشوف تقاليد مكان غريب عليك وناس بتعمل حاجات عمرك ما تتخيلها من أكتر الحاجات الممتعة في تجربة السفر لمكان جديد. في الغالب بتبقى متوقع ده لما تسافر بره، بس الغريب واللي بيبقى مش متوقع فعلًا هو إنك تلاقي حاجة زي كده في بلدك! كنت سمعت قصص كتير عن سيوة وجمالها وكل اللي اتكلموا عن سيوة كانوا بيركزوا على طبع ناسها اللي مختلف عن أي مكان راحوه في مصر، والشيء بالشيء يذكر، كل ما يتقال السلام النفسي يتدلل عليه بعيد الصلح.

عيد الصلح.. حرب 160 سنة اتحلت برغيف عيش
كان عندي فضول كبير أعرف إيه عيد الصلح (أو عيد الحصاد) ده من قبل ما أروح سيوة، وليه ما سمعتش عنه قبل كده؟ دورت شوية لقيت قصة عليها اجماع إن عيد الصلح ده بقاله حوالي 160 سنة! بس العيد بدايته مكانتش سلام واحتفال، كانت حرب. لسنين طويلة كان في حرب بين سكان شرق وغرب الواحة، لحد ما جه شيخ صوفي اسمه محمد المدني قرر يعمل حاجة بسيطة عشان ينهي الخلاف ده، قال لشيوخ كل قبيلة يجيبوا معاهم عيش ويكسروه، وخرجوا لجبل الدكرور في الخلاء، وأول ما اجتمعوا قام خالط العيش ده ببعضه وأكلوا مع بعض، قالهم كده كل واحد أكل مع جاره ومينفعش بعد ما كلتوا من أكل بعض يبقى في خلاف تاني. وبالبساطة دي قرروا ينهوا الخلافات بينهم ويقضوا ساعات الليل في ذكر الله، وزود من قوة السلام اللي اتوصلوا بيه علاقات جواز من كل القبايل اللي بيتحاربوا، ومن ساعتها كل سنة في الليالي القمرية من أكتوبر بيعملوا العيد ده للإحتفال بالصلح والحصاد والسياحة عند جبل الدكرور في سيوة لمدة 3 أيام.

الطريقة اللي الصلح ده تم بيها كلها على بعض غريبة من نواحي كتير، فكرة إن راجل صالح مش مستفيد حاجة من الموضوع يبقى عايز يصالح بين أهل مدينة، وكمان بالطريقة البسيطة دي! تحس الموضوع كله بينم عن تصالح مع النفس وسلام داخلي مش بتشوفه غير في الأفلام، وكون إن الأطراف المتصارعة كان عندها استعداد تتصالح أصلًا بالبساطة دي يوريك قد إيه أهل سيوة منذ قدم التاريخ مسالمين وعندهم سلام نفسي. 

سواسية كأسنان المشط، مفيش لا شيخ قبيلة ولا وزير ولا غفير 

جت الفرصة أروح سيوة في عيد الصلح، ودي كانت فرصة أشوف قصاد عيني الكلام اللي قريت عنه كتير. وصلنا قبل العيد بكام يوم وابتدينا نشوف الاستعدادات، الحاجة اللي لفتت انتباهي فعلًا كانت قد إيه سيوة بأهلها واستعداداتهم لعيد الصلح مفيهمش أي تكلف! الموضوع كله مفيهوش تصنّع كده ولا نفاق، الناس بتتصرف بالطريقة دي عشان عايزين كده مش عشان مجبرين.

لو رحت الجبل قبل العيد عشان تشوفهم بيجهزوا ازاي للعيد مش هتلاقي سجادة حمراء طويلة بتودي لمكان فخم، هتلاقي فوق الجبل ناس قاعدين على الأرض على حصير بيقطعوا اللحمة وهما بيرددوا ابتهالات وبيذكروا الله، وقصادهم طباخين بيولعوا النار على الحلل الكبيرة ورايحين جايين شايلين الحلل والأكل من غير كلل ولا ملل.


وسط كل ده طبعًا بتلاقي واحد قاعد قدام نار والعة على الأرض بيعمل شاي سيوي بطريقة تقليبه المميزة – بيصبوا في كبايات بعد كده يرجعوه تاني للبراد كذا مرة. قصاد الجبل هتلاقي عدد خيم كبير، كل خيمة تبع عائلة ولازم أهل كل واحدة يعدوا على كل الخيم يعيّدوا على أهلها ما ينفعش مجرد سلام، لازم تقعد وتعيد، هتلاقي قصادهم الأطفال بيلعبوا وهما مبسوطين. كله مبتسم وكله هادي وراضي، مفيش حد قالب وشه عشان قاعد بيطبخ تحت الشمس ولا عشان صاحي من الصبح بيقطع في لحمة أو أعواد نخل.

بداية العيد.. مع أول ضوء للشمس
أول يوم بيبتدي زيه زي أيام الاستعدادات، شغل مع أول ضوء شمس وحركة في كل حتة، بس بحلول صلاة الظهر، الدنيا بتختلف. شخص يلقب بالمنادي بيبتدي ينادي في الناس إنهم يتجمعوا عشان الأكل وبيقول كلمتين بس "واعلام" معناها: اتجمعوا و"هيوا" (يلا). وفي شوية دقائق بتلاقي أهل سيوة كلهم متجمعين قدام الجبل في دواير صغيرة، كبار مع صغار، شيوخ مع شباب.



الشيخ عبد القادر عبد الدائم من أكبر الناس في سيوة ومن الناس اللي شافوا العيد بيكبر ازاي على مدار أكتر من 60 سنة، بيقولنا "سواسية كأسنان المشط، مفيش لا شيخ قبيلة ولا وزير ولا غفير، كلنا بنقعد على الأرض مربعين وكلنا آذان صاغية للمنادي". الشيخ عبد القادر بيشرحلنا السلام اللي بيبقى محيط بكل حاجة، حتى الأطفال. "سبحان الله، حاجة كده من ربنا مبتلاقيش طفل بيعيط أثناء العملية دي، ومفيش طفل بيغلّب أبوه عشان يمد ايده وياكل."

بنطلع من العيد مفيش حد عنده اختلاف مع أي حد

أكلنا وذكرنا الله.. نتصالح بقى
عيد الصلح زي ما باين من اسمه مش بس عشان أهل سيوة يتجمعوا وياكلوا سوا ويحتفلوا، في العيد ده أي خلاف بين سيويين بيتحل كمان. كل عيد بيجتمع فيه شيوخ القبائل السيوية وشيوخ تانية من مطروح وحتت تانية، بيجتمع الشيوخ يشوفوا أي خلاف بين ناس ويحلوه سواء مادي أو غيره عشان ومن الأسباب إن العيد ده بيتعمل بعد الحصاد عشان أي ديون تترد بعد ما يكون الحصاد خلص. محمد العبد سيوي بيحكيلنا "عيد الصلح بيصفي النزاعات كلها، في المشاكل الصغيرة دي بتخلص في قعدة واحدة، في مشاكل كبيرة شوية وبتاخد وقت بس في العيد بيبقى الشيوخ كلهم موجودين فالمشكلة هتبقى محلولة محلولة. العيد ده 3 أيام، وبنطلع من العيد مفيش حد عنده اختلاف مع أي حد". الموضوع بيوصل إن حتى لو الشخصين معروف إنهم متخاصمين ومجوش يحلوا مشاكلهم في العيد، بيبعتوا يجيبوهم عشان يحلوا خلافاتهم، محمد بيقولنا عن اللي مش عايزين ييجوا يتصالحوا – وهو بيضحك – " هيتجابوا، هم أصلًا بيدوروا لو في 2 متخانقين بيجيبوهم، أهم حاجة كله يطلع من العيد مفيش زعل أو ضيق، أصل كلنا كده كده متجمعين وكله بياكل مع بعض".

النقطة دي من الحاجات اللي علمت معايا شخصيًا، محدش هيختلف إننا عايشين في عالم متفرق ومليان صراعات واختلافات بسبب أيديولوجية أو دين أو أي سبب تاني من الأسباب اللي الناس بتلاقيها عشان يكرهوا ويعادوا بعض، فكون إن في ناس في وسط كل ده بيبذلوا المجهود ده كله عشان يحبوا بعض ويبقوا على وفاق كانت حاجة غريبة عليا ومكنتش أتصور إنها موجودة في العالم البايظ ده أصلًا.

في سيوة، جبل الدكرور هو بيت العائلة وأهل سيوة كلهم هم عائلتك

الليل بيبقى مختلف في عيد الصلح، بعد صلاة العشاء بيجتمع أهل سيوة في قعدة ذكر صوفية بتبتدي بدائرة صغيرة بالشيوخ وبتكبر تدريجيا لتشمل كل الموجودين من أهل سيوة. بيبقوا في الأول قاعدين على الأرض بيرددوا ابتهالات بسيطة زي "لا إله إلا الله" و"الله".


مع كبر حجم الدائرة الأناشيد بتختلف وبتبقى جميلة وبسيطة مفيهاش تصنع واهتمام بالمظاهر بيبقى موجود في احتفالات دينية تانية كتير. مقدرش أدعي إني شخص روحاني، بس مهما كانت معتقداتك أظن هتحس بروحانية معينة وإنت تحت ضوء القمر عند سفح جبل الدكرور وشايف أهل سيوة في دائرة كبيرة ماسكين إيد بعض وبيرددوا أدعية وابتهالات، وأنا بكتب الكلام ده وبفتكر المنظر وأناشيدهم زي "لا ينام الليل من هو عاشق، إنما النوم على العاشق حرام" و" فإني فقــير لا عليّ ولا معي" وبقية الأدعية لقيت نفسي تلقائيا ببتسم وللحظة رجعت عند جبل الدكرور.



لمدة 3 أيام بيستمر العيد، ولما تفتكر هتلاقي إن التفاصيل الصغيرة هي اللي بتعلّم معاك بعد ما تمشي من سيوة بفترة. العُرف إن لازم تعدي على خيمة خيمة تسلم على اللي فيها وإنت عند جبل الدكرور، منظر الناس والأطفال وهم لابسين أحلى لبس عندهم وماسكين اللعب، والسوق الكبير والملاهي اللي جنب جبل الدكرور، البساطة وغياب التكلف، دي الحاجات اللي هفضل فاكرها.

يمكن أتخيل إن العيد الصغير والكبير كانوا عندنا في القاهرة كده زمان من 100 سنة قبل ما كل التكلف والتصنع اللي بييجوا كنتيجة للتطور يظهروا. واحد صاحبي من الناس اللي بيعزوا سيوة جدًا قالي جملة جميلة عن عيد الصلح، " العيد في القاهرة أصله بيت العائلة وده اللي بيلم الناس كلها وده فعلًا أساس العيد، إنما في سيوة، جبل الدكرور هو بيت العائلة وأهل سيوة كلهم هم عائلتك". مظنش إن في وصف ملائم أكتر من كده لعيد الصلح واللي بيعمله في سيوة من سعادة وسلام بيطول الكبير قبل الصغير.

السلام النفسي كلمة بتسمعها في الأفلام وبتقرأ عنها في الكتب، دايمًا البطل بيبقى بيدور على راحته النفسية وكل أفعاله بتبقى مدفوعة بالرغبة دي. شخصيًا، دورت عليها كتير ولسه بدور عليها وغالبًا هفضل بدور عليها. وأنا في سيوة في عيد الصلح شفت سلام نفسي مرسوم على وشوش ناس كتير، شفت رضا وبساطة وقناعة بالكتير والقليل سواء. أنا فعلًا معرفش يعني إيه سلام نفسي بالظبط، ومعرفش ازاي هعرف إني نُلته، بس اللي عارفه إني شفت لمحة منه في سيوة، واللي متأكد منه إن سيوة من أصل مكانين في حياتي نمت فيهم من غير ما أفكار سوداوية ومن غير ما ماضي ولا مستقبل يخليني قاعد بتقلب بالساعات على ما أنام شوية. لو معنى السلام النفسي إني أنام ودماغي صافية وقلبي مش مقبوض، فده جميل هفضل شايله لسيوة دايمًا، حتى لو طريقنا متقاطعش تاني.