share this article

"جينا إنتي فاضية من 16 لـ30 مارس هنروح لبنان أسبوعين نساعد اللاجئين؟" .. دي كانت مكالمة تليفون جاتلي يوم 2 مارس الصبح الساعة 10 تقريباً، الموضوع مأخدش مني لحظات ولا مجهود عشان أرد في نفس المكالمة "أنا موافقة بس هشوف هعرف آخد أجازة من شغلي ولّا لأ"، ويمكن ردي اللي يبان متسرع وغير واعي، كان بالنسبة لي راسي وعاقل ومنطقي جداً، أنا أصلاً مهتمة بقضية اللاجئين، وبيكون من أسعد أوقاتي لما بكون وسطهم في مصر، فكان كل كياني واخد وضع الإستعداد ومستني بس يتفتح الباب إني أكون جزء من حياتهم، ونطيت في القطر ده ولسه مش عارفة أنزل منه.

في ساعة كنت  قايلة للشغل أنا عايزة أسبوعين أجازة آخر الشهر، أنا هتشقلب كل الشقلبظات وماجيش آخر أسبوعين في الشهر! بعد موافقة مفاجئة أدركت إني لو مسافرة أسبوعين، أنا هغرق قبلهم تقريباً أسبوعين زيهم أخلص شغلي. الخطوة اللي بعدها أهلي، اللي منطقي وطبيعي يرفضوا إن بنتهم تروح في مدينة على الحدود اللبنانية السورية أسبوعين وتكون جزء من حياة اللاجئين في المخيمات، بس ماما قالتلي روحي، انتي بتحبي ده، وبابا ساعدني بإنه جابلي دولارات عشان آخد الفيزا وأنا داخلة، طبعاً ناقصني فلوس بس بما إن الدنيا كانت ماشية بطريقة غريبة، فأنا كنت لأول مرة في حياتي من ساعة ما بقيت امرأة عاملة أشيل مرتبي بدون أي تفسير منطقي عندي لغاية النهاردة غير إن دي كانت فلوس السفر اللي عرفت عنه بعد القبض بيومين.

بما إن أنا إدراكي بطيء للأحداث ففضلت طول الوقت مش مدركة اللي بيحصل وخايفة يظهر خازوق لغاية لما بقيت في الطيارة وباينه كده الموضوع حقيقي، لما خرجنا من المطار في عربية أخدتنا من بيروت لزحلة مسافة ساعة ونص ساعتين على حسب الجو والعجئة (زحمة باللبناني، لازم نتعلم سوا كام كلمة ينفعونا)، ولما بدأت ألمح زحلة ودخلناها بدأت أراقب المكان اللي هكون فيه، اديتني إحساس إني في مرسى مطروح بس مبدلين البحر بزرع في كل مكان. زحلة هي عاصمة منطقة البقاع، وتعتبر في ريف لبنان، جمالها طبيعي مفهوش أي مبالغة ولا رتوش، فالقريب مني هو كله أخضر وزرع وأشجار، بالأخص شجر اللوز اللي كان فروع خشب بس لما وصل الربيع يوم 21 زهر بالوان مختلفة، وفي خلفية المكان جبال عالية قمتها تلج، وبتلعب معايا استغماية وسط الضباب والسحاب، المكان كان طبيعته مبهرة ومريحة نفسياً جداً.

قبل السفر كنا عملنا قعدة تعارف، منها نتعرف على بعض ونفهم إحنا رايحين نعمل إيه، يومنا هيكون بيمشي كالآتي، الصبح هنساعد في مدرسة، وبعد الضهر هنكون بنزور ناس نقضي معهم وقت ونسمعهم، أو هنكون وسط تجمعات للاجئين، ده شكل اليوم غير لو كان فيه أي حاجة تغيره زي الجو أو إن المدرسة أجازة، في الحالة دي كنا بنخرج نتفسح، وأنا بصراحة لا بحب الأطفال ولا شاطرة ولا اسم الله نبيهة إجتماعياً وواخدة بطولات في رمي الدبش، فكنت مرعوبة من اللي هيحصل، وبدأت أقول لأي حد بيتواصل معايا صليلي؛ بس لما رحت المدرسة، كان وقت طابور الصباح اللي كله أغاني وتمارين بسيطة عليها عشان بداية فرفوشة كده لليوم، وقبلها فيه وقت بندعي فيه لربنا، كل الأطفال والمدرسين؛ بس كان فيه جملة هي اللي بتتكرر في كل دعوة "يا رب بارك الآنسات" وبعد لما رنت في وداني بصوت كل الأطفال بدأت أدرك أنا بقيت آنسة (مدرّسة باللبناني) وكل يوم كل الأطفال بتدعيلي وكذا مرة، وهنا قلبي إرتاح وبطلت أطلب من أي حد يدعيلي أو يصليلي، بس الملفت كمان في دعوات الأطفال إن مفيش طفل بيدعي لحاله (حاله يعني نفسه) دايماً بيدعي بصيغة الجمع.  

بس الحاجة اللي كنت مستنياها ومتحمسة ليها من لما الرحلة دي كانت فكرة هي إني هكون وسط اللاجئين في عيد الأم، وهعمل أي حاجة بس أكون جزء من أي إحتفال بعيد الأم، ده اللي خلاني أول لما المديرة قالت حفلة عيد الأم بكرة وعايزاكم تعملوا سكيتش بسيط، نطيت من الفرحة وقلتلها آه طبعاً نعمل، عرفت منها إنها عايزة توصّل فكرة إن الأم هي اللي بتحافظ على إتزان البيت؛ بس كمان هي لازم تحافظ على إتزانها وتستمد ده من ربنا.

يوم الحفلة؛ الأطفال جايين بلبس مرتب (دي يعني شكلهم شيك وأنيق) والبنات عاملين في شعرهم حركات، وفي تدريبات على الأغاني اللي هيقدموها والمكان بيجهز لاستقبال الأمهات، كل التفاصيل كانت أكبر بكتير أدام عيني وأوضح من حجمها الطبيعي، فالنظرة اللي في عيون الأطفال ناحية الباب مستنيين اللحظة اللي ماما هتدخل فيها من الباب، واللمعة اللي في عيونهم لما أمهم بتوصل والراحة اللي بتبان في تغيير ملامح وشهم لما دنيتهم كلها بتدخل من الباب وينطوا من الفرحة. 

الحفلة شغالة وأغاني بسيطة عن الأم بتتقال بس مش فاكرة منها حاجة ولا كنت سمعاها أوي بس دموعي كانت بتجري زي أي أم في الحفلة وبقول لنفسي أنا مش أم! أنا أصلاً مش عارفة مين دول! أنا بعيط ليه؟ بس ولا الهوا كلنا دموعنا بتجري لوحدها! واهتمام الأمهات إن هم يصوروا أطفالهم وقت العرض وكأنهم على مسرح من مسارح برودواي كان بالنسبة لي طبيعي جداً، وفي لحظة كان لازم أتجاهل موجة المشاعر وأطلع على المسرح أمثل، والغريب إن السكيتش اللي جهزناه كله الليلة اللي قبلها كان سبب إن كل الأمهات تعيط وتتأثر، لأننا وضحنا أد ايه دور الأم مهم وإنها أساس البيت، وإن لما يوم بتاخد أجازة يومنا بيبوظ، بعد كده كان فيه فقرة الأشغال اليدوية واللي ساعدنا فيها الأطفال يعملوا كروت للأمهات وطلعوا فنانين أحرار مفيش كارت شبه التاني ولا فيه حاجة شكلها نمطي ومعروف.

أعتقد جو الأمومة مع عرق كرم المصريين خلا الجلالة تاخدني فاجأة وعزمت مديرة المدرسة وجوزها على الغدا، ومش برا على حسابي أنا معرفش حاجة هنا، وأنا لسة عرفاهم إمبارح فمش منطقي أخدهم أخرجهم لا، فكان طبيعي لمخي أعزمهم عندنا في البيت، وقلتلها تعالي دا إحنا عاملين مكرونة بشاميل وبانيه. أنا كنت عارفة عشان أنا وسيفو اللي كنا هنعمل الغدا. دي مش حاجة جديدة عليا أنا دايما باجي لأمي بناس وأكون عزماهم على محشي بس دي أمي يعني، مش بيت لسه داخلاه إمبارح. ومن حظي الحلو إن هم فاضيين وهييجوا، أعتقد إن ده كان أكتر طالع من تقديري لمجهودها في الحفلة وإهتمامها بكل التفاصيل فكان فارق معايا أوي هي كمان حد يهتم بيها في اليوم ده. أنا قلت لسيفو طبعا بما إنها هي المسئولة عننا، بس يعني كان هيبقى ألطف لو أخدت رائيها الأول مش تكون قدتم أمر واقع، هي تفهمت الموقف وروحنا عشان نلحق نعمل الغدا قبل ما ييجوا، الحمد الله الأكل طلع حلو وكفا وزاد.

في بقى واحدة في المدرسة هي حياة لوحدها، هي بالنسبة لي أحلى واحدة في المدرسة من جمال قلبها، وابتسامتها اللي منورة كل مكان هي فيه، هي مسئولة عن نضافة المبنى المكون من دورين فيهم قاعة كبيرة، خمس فصول، حمامات، مكتب المديرة، والطرقة، ومسئولة تعمل ساندوتشات لكل الأطفال رغيف جبنة أو لبنة ونص رغيف زعتر، وبيتوزع كمان خيار أو تفاح بعد لما بتغسله، بتعمل كل ده لوحدها وتقسم الأكل في صواني وأكياس وتحطه على باب كل فصل من الخمس فصول، بس الأول بتاخد عدد الأطفال، وهيفضل دايما محير بالنسبة لي هي كانت بتعرف منين مين عايز إيه النهاردة.

وتبدأ رحلة تجهيز الأكل حوالي الساعة 9:15 اللي لازم يكون على باب الفصل قبل الساعة 11، كان بالنسبة لي أهم حاجة في يومي إني أروح أفتح معاها العيش، يومي كان بيتملي طاقة من وقفتي معاها بس أفتح عيش، أنا بقى معايا شهادة خبرة في فتح العيش! بس كمان هي أم كل الأطفال دول فكان لما أي طفل بيكون محتاج حاجة بتلاقيه نط عندها في المطبخ، وهي بحب واهتمام بتتعامل معه، في أول يوم ليا في المدرسة ما كنتش أبداً مستوعبة هي ليه وإزاي بتعمل ده لكن لما شفت جمال قلبها كل حاجة بقى ليها معنى.

 

كنت محظوظة بحفلتين تاني برضه لعيد الأم، وفيه واحدة منهم شاركنا في حاجة شبه spa بسيط للأمهات، كان فيه ركن مساج، ماكياج، وضوافر، بس كان كل اللي شيفاه وشاغل تفكيري إن الأمهات دول وهم جايين حفلة عيد "الأم" جايبين معاهم أطفالهم، فالأم لو مش معاها طفلين تلاتة هي معاها طفل ما بين السنة لسنة ونص، فحتى إن هم ياخدوا وقت لنفسهم ده مش موجود، فهي بتعمل أي حاجة وشايلة الطفل أو عينيها على أطفالها وفي إيديها، كان نفسي يكون عندي القدرة إني أخد كل الأطفال أشيلهم عشان الأمهات يستمتعوا بوقت لنفسهم حتى لو كان بسيط وقليل، لكن محدوديتي خلتني أعرف أعمل ده مع طفلة واحدة فضلت شايلاها لغاية لما دراعاتي نملوا فقعدت وهي نامت لغاية لما رجلي كمان نملوا وماكنتش أصلاً عارفة هي بنت مين، بس أمها جت أخدتها في الآخر وكانت مبسوطة أوي، الصراحة كل الأمهات كانوا طايرين بالحاجات العادية البسيطة اللي كنا بنعملها لهم.

المصدر: NNA

إيه بقى اللي يخليني أسيب حياتي من غير لحظة تردد وأغطس وسط كل ده؟ المبدأ ده "أنا مش أحسن منهم في أي حاجة ولا رايحة أديهم حاجة بالعكس أنا رايحة أتعلم منهم"، وبفضل أفكر نفسي بده كل مرة بيكون عندي الفرصة إني أقضي أي وقت وسط لاجئين هنا في مصر، فأنا مش بحب الأطفال ولا هم بيحبوني؛ بس الأطفال السوريين بدوب أدامهم وبكون عايزة أعملهم أي حاجة عشان مش بكون فاهمة ولا مصدقة إن هم لقوا نفسهم في كل تفاصيل الحرب والنزوح والهرب واللجوء والألم؛  من أول لما فتحوا عينيهم على الدنيا، ومطلوب منهم يلاقوا طفولة يعيشوها مش عشان أي حاجة بس لأن ده أبسط حقوقهم، ولو محظوظين هيكونوا إتولدوا في خيمة والمخيم هو عالمهم، ولو حظهم أوفر هيكون في بيت أبسط من البساطة في بلد زي مصر، أو لو حظهم أكبر هيكونوا في بلد أروبي والوضع مش بمبي هناك برضه، خد بقى عندك مفهوم هوية مضروب، قيمة مفيش، وطن مش موجود، ومش هجيب سيرة أحلام وطموحات، الأطفال دي معندهاش أي ورق يقول هم مين يعني حتى بالنسبة للورق والأرقام هم مش موجودين.

المصدر: Sputnik News

ومعلومة كده على الهامش؛ وضع الخيم والمخيمات أصعب بكتير من اللي بيوروهولنا في عالمنا البمبي على التلفزيون في الـLiving room، الخيمة هي أوضة واحدة ليك إنت وكل أسرتك اللي ممكن تمتد لعيالك وعيلاتهم أو ولاد أخوك أو أي طرف من أطراف العيلة اللي نجي، ولعلمك الـUN مش بتوزع خيم زكاة عن صحتها لا، فيه فلوس بتدفع في السنة عشان تقدر تتمتع بالخيمة اللي بتدخل مطر وتلج وممكن تغرق إنت وولادك وفيها كمان فئران وحشرات.

دي لمحة من واقع طفولة اللاجئين، اللي طبعاً مفيش فيه تعليم مضمون، فده بيخلي إن أي حاجة بعملها لهم حتى لو صغيرة جداً وبسيطة أوي في نظري بتبسطهم جداً، وبكون مصدقة إن ده بيساعدهم إنهم يدوقوا طعم الطفولة اللي مكانوش بأي طريقة طرف في إنها تضيع منهم، ولأن هم معاشوش أي طفولة فبس بيحتاجوا أي حد يزيح التراب من على برآتهم اللي بتبان في فرحتهم، فأنت لو معاك بالونة هي بالنسبة لهم فرحة عارمة؛ للدرجة دي فيهم بساطة لأنهم تقريباً أغلب الحاجات اللي بيشوفوها مهما كانت مهروسة وتافهة بالنسبة لنا هي بتلمع ومبهرة أوي بالنسبة لهم .. الحاجات في حياتهم ليها قيمة ومعنى.

بس كمان رغم مرارة واقعهم اللي هم مش مدركينه، فإحساسهم ببعض دايماً بيثبتني وبكون مش عارفة ده نابع من إن هم عارفين كويس أوي إحساس ووجع إنك محروم من حاجات كتير، ولّا عشان الحاجات فعلاً بالنسبة لهم بسيطة وفي قيمتها الحقيقية والأهم إني أدي أخويا وننبسط إحنا الإتنين، ومن غير تردد بيدوا وكأن الطبيعي إنهم يشاركوا، وده مش طبيعي في دنيتنا المرفهة، فلما أقابل طفل بيشحت وحافي في عز الليل والمطر وأعرض عليه أدي له شرابي يكون أول رد على لسانه من غير لحظة تفكير وأنتي هتبردي؟ لكن أنا من البرد كنت لابسة 3 فوق بعض، وهو حافي خالص، فوافق لما عرف إني لابسة كذا واحد، فقلعت جزمتي وبدأت أنشف رجله في بنطلوني وهو بيعترض ويشد رجله عشان بنطلوني مايتوسخش! آه معهوش بس عارف كويس أوي يدي ويحس بغيره.

وإزاي إن مهما كان اللي في إيدهم بسيط، هو حلو وهيلعبوا بيه ومع غيرهم، فاكرة أوي طفلة كانت سنتين ونص تقريباً قضينا أنا وهي طول الوقت بنلعب بالكورة أو بتفرجني كل لعابها اللي كانت حرفياً بسيطة جداً وقليلة جداً ومتشالة مابين الكنبة والحيط، لكن فرحتها وحماستها وهي بتطلع كل لعبة حسستني إنها بتطلع حاجات كبيرة من صندوق سحري، أما بقى إنها تأكلني من كيس البطاطا بتاعها (بطاطا في لبنان هي البطاطس) ده كان إنبهار على مستوى تاني خالص. بس أعلى مستوى كان لما بقت بتندهني "حالة" اللي هي خالة بس عشان سنها كانت طالعة حالة، وبقت تروح الناحية التانية وتندهني وتجري عليا وأنا أرفعها في الهوا، وتكركر من الضحك، لما خرجنا اكتشفت إن الوقت اللي عدّى كان طويل وأنا قاعدة بلعب معاها بس، أما إحساسهم بالمسئولية مش بكون عارفة ده جاي منين؛ بس إن 3 أطفال ياخدوا بعض بعد المدرسة عشان يروحوا يزوروا صاحبهم اللي وقع إمبارح (وأنا في دماغي اللي هو لو أقل من عملية كبيرة مش هفكر أسأل) وهم أصلاً مش عارفين هيرجعوا إزاي وبعد لما ناقشت معاهم الموضوع مراحوش بس مجرد الفكرة علمني درس.

ومع كل مرة بعيش لمحة من جمالهم اللي بتبسط قلبي؛ بكون زعلانة إن الجمال ده مدفون في قساوة العالم البائس ده، وموجوعة إن فيه أطفال مش موجود حتى على أطراف عالمهم أبسط حقوقهم إنهم يتمتعوا بجزء من الطفولة، دايماً فيه إحساس إنهم مسئولين عن أي غلط بيحصل ولازم يصلحوه، إنهم مسئولين عن إخواتهم الصغيرين حتى لو الأخ الأكبر ده طفل 4 سنين، مسئولين في غياب الأب بأي شكل من الأشكال حتى لو كان موجود بس زي عدمه، إنهم يوفروا أكل وشرب ومياه وعيشة للعيلة، وفي كل الأحوال الطفل لازم يشتغل في وقت ما عشان ميبقاش عبء على العيلة، أما البنت هي عارفة كويس أوي إنها كمان هتتجوز بسرعة عشان أهلها مش أد مصاريفها، فبوضوح هتشوف إزاي الأطفال دول أرواحهم تايهة ما بين أنا عايز ألعب وأنبسط بس لأ مش هينفع أنا لازم أكون عاقل وهادي ومستعد أتحمل مسئولية أي غلط هيحصل.

أعتقد صدمتي الكبرى كانت لما واحد منهم قالي إنه عايز يشتغل في البسامير (المسامير) وده طفل مكملش 9 سنين ومش عارف ينطقها أصلاً، وفضلت أحاول أتأكد منه هو بيقول إيه وخايفة يطلع اللي أنا فهمته، بس لما أتأكدت إنها مسامير سألته عايز تعمل إيه فيها؟ وكل اللي في دماغي إنه مثلاً عايز يخترع مسامير شكلها مختلف أو أقوى، بس قالي أحطهم في الكراتين! والطامة الكبرى لما عرفت إنه هيعمل ده في الصيف ومتحمس يعرف المدرسة هتخلص إمتى وكل أصحابه في الفصل عارفين!! للدرجة دي طموحهم منعدم حتى السؤال اللي بنلعب بيه مع الأطفال في عالمنا البمبي وبنسألهم عايز تبقى إيه يا حبيبي لما تكبر، في عالم الأطفال دول وقعه مختلف.

بالنسبة للناس اللي سنهم أكبر فبيفضل طول الوقت متبروز جوايا وأدامي الصراع بتاع إن الناس دي فعلاً عارفة وشايفة إن مفيش أحسن لحياتهم، وإنهم هيفضلوا يحاربوا طول الوقت عشان زي كل الناس هم عايزين يبقوا أحسن أو على الأقل أولادهم يكونوا أحسن، بس في الحقيقة هم بيعملوا آخر آخرهم ويادوب عايشين أو موجودين وفعلاً مفيش حاجة تاني تتعمل! مهما اتقال مفيش حاجة هتوصل أو توصف صراع ووجع الأب اللي مفيش في إيده أي حاجة يعملها عشان يوفر بس حياة لعيلته، مهما حصل مش هقدر أتخيل أد إيه ده مهين لكرامته وخصوصاً في مجتمعنا العربي الشرقي، أما الأمهات فهم أبطال لأن أغلب الأحيان هي بتكون لوحدها، جوزها يا إما مات، فقد في الحرب، في الجيش، أو هربان من الجيش فهي بقت مسئولة عن أسرتها أنها تقوم بكل الأدوار المطلوبة والممكنة .. معلومة هامشية برضه؛ الناس دي كانت بالظبط عايشة زينا ويمكن أحسن وفي يوم وليلة بقت أساسيات الحياة بالنسبالهم معضلة ولازم يعملولها ألف حساب.

بس بالرغم من حدة حياتهم إلا إن بيوتهم مفتوحة وكرمهم لا يوصف غير بغامر وغامر، ترحيبهم هو اللي بيخلي الخيمة بيت، محبتهم هي اللي بتدفي المكان وعطائهم هو اللي بيخليك حاسس إنك منهم ومش عايز القعدة تخلص، فإني أتعزم من واحدة ماشفتنيش غير نص ساعة ومش على أي حاجة؛ لأ على محشي، وتصر وتيجي تاني عشان تأكد علينا، ولما ندخل الخيمة تكون محضرة 3 أنواع محشي وبطاطس محمرة وأحلى طبق تبولة في حياتي، أكيد مكانش فيه ولا لمحة ولو للحظة إن دي خيمة، بس لما بلمح ساندويتشات المحشي في إيدهم بفتكر الجوع والوضع اللي هم فيه، وبعد كل العظمة دي وإحنا ماشيين تدينا بنطلونين هدية، في اللحظة دي مسكت دموعي بالعافية لغاية ما خرجنا، ده إحنا بنفكر 100 مرة عشان نشتري حاجة حتى لو لنفسنا مش بندي غيرنا.

متأكدة إن عالم اللاجئين بيوحشني وبكون أنا اللي محتاجة أروح له مش هم اللي محتاجيني، لأنه ببساطة حقيقي، يمكن عشان الناس دي تقريباً مفيش حاجة تخسرها، أو يمكن عشان مفيش عندهم المجهود إنهم يمثلوا ويتجملوا ويجملوا الواقع فكل حاجة حقيقية للأخر، أعتقد إني دايماً أنا اللي بنبسط وفرحي بيزيد بفرحة كل شخص فيهم بحتى شوفتي، ومتأكدة إن مفيش مرة هفكر قبل ما أقول آه إني أعمل أي حاجة في عالم اللاجئين، ده بيكون أحسن هروب ليا من عالمنا المريب اللي بقيت بواجه صعوبة في تقبل تفاهته وسطحيته، لأن أي حاجة بعملها في عالم اللاجئين بيكون لها معنى وفرق وبتفرح ناس كتير غيري، ومهما بذلت من مجهود ووقت برجع أزيد مش أقل.

 

أصعب جزء في الرحلة دي كلها هو بعد لما رجعت القاهرة، ومفروض أرجع أتأقلم تاني مع حياتي العادية؛ عارفة إن إسبوعين مش وقت طويل بس الواقع هناك تأثيره بيوصل للأعماق وبيغير، فطول الوقت فيه في عقلي مقارنات بين عالمنا اللي بقيت شايفة جزء كبير أوي منه تافه وسطحي، وإني عندي كل حاجة بالكوم وعارفة إن فيه ناس حياتها يادوب؛ إن يومي بعد ما كان كل لحظة وكل حاجة بعملها هي بتأثر وليها قيمة ومعنى، لأيام القاهرة الزحمة اللي بحاول على أد ما أقدر أعمل فيها حاجات تفيد غيري، تقريباً كمان قيمة الحاجات بقت أقل، أو في حجمها الطبيعي، بس بالرغم من كل ده عمري ما هتردد إني أروح في أي مكان أساعد فيه لاجئين، وهفضل أشجع أي حد يعمل ده في أي مكان في العالم، وأكيد هتلاقي حاجة بتعرف تعملها عشان هم محتاجين كل حاجة حتى لو حد يرسم ابتسامة على وشهم.