share this article

في مارس ٢٠١٥ كل حاجة اتغيرت، للمرة التانية، كنت في رحلة دبي عشان استلم جايزة وادي كلمة في الحفلة، لكن التغيير اللي حصل مكنش ليه أي علاقة بالجايزة ولا حتى الكلمة اللي اديتها، التغيير المرة دي كان الشخص اللي قابلته هناك للمرة الأولى.

في الفترة دي مراتي الجميلة "مروة" كانت فارقت عالمنا بقالها سنتين، وكنت لسه بحاول استوعب العالم اللي بينهار من حواليا كل يوم أكتر من اليوم اللي قبله، لكن في لحظات التجلي، اللحظات القليلة اللي دماغي كانت بتبقى صافية فيها، كنت مقتنع اني لازم احكي تفاصيل كل اللي حصل للناس، مش مجرد دايرتي القريبة من العائلة وصحابي القريبين، لكن مجرد التفكير في ده رعبني، احساس كبير بالضعف وانك مكشوف قدام الناس.

رغم ده حسيت إن مشاركة اللي جوايا هتريحني وهتساعدني على التعافي، ويمكن كمان تساعد ناس بيمروا في الوقت الحالي بنفس اللي مريت بيه، على الأقل هيحسوا إنهم مش لوحدهم، الفكرة إن في أزمة زي دي، إن صحابك هيزوروك لما يبقى عندك طاقة كفاية عشان تقدر تستقبلهم، هتلاقيهم بيقولوا احنا جمبك، لو احتجت حاجة احنا موجودين - وبيبقوا صادقين فعلا - لكن لما تتعرض لصدمة بالحجم ده، بتحس إنك قزازة فاضية مقفولة ومرمية في البحر، حواليك حاجات كتير ممكن تملاك، لكن غصب عنك بتفضل فاضي من جوه، فراغ كامل جواك ومقفول عليه، سايب نفسك للتيار يوديك مطرح ما يحب، بدون هدف مجرد من الإيمان.


وصلت الحفلة ومشيت الدنيا، وقفت على المسرح وقلت كلمتي. اتكلمت عن تسلق ال7 قمم والتزحلق على الجليد في القطب الجنوبي، ومجبتش سيرة الجزء اللي حياتي انهارت فيه. مقدرتش أفتح الموضوع ده، كان صعب عليا جدًا وكأن الموضوع لسه حاصل. هنيت نفسي إني قدرت اعدي مناسبة جديدة مضطر اتفاعل فيها مع الناس، وبعدين يومها بالليل رحت العشاء اللي بعد الحفلة.


مكانش في ناس كتير لما وصلت الحفلة، ولقيت الكرسي اللي جنب Brandon Stanton فاضي فقعدت جنبه. كنت سمعته بيتكلم يومها وكنت عارف شغله من Humans of New York وكنت قريت شوية من قصصه. مفيش دقايق لقيت نفسي بسأله السؤال اللي – متهيقلي – كتير مننا عايز يسألهوله، "ازاي لما بتقابل شخص متعرفهوش في الشارع بتعرف تخليه يفتحلك قلبه، ويحكيلك قصته، ويفضفضلك بحاجات شخصية، وكل ده وانت لسه مقابله من دقايق؟"Brandon ابتسم وقال لي " إيه رأيك أسألك شوية أسئلة دلوقتي وهتفهم بشتغل ازاي." مش فاكر بالظبط الأسئلة اللي سألهالي، بس فاكر كويس كنت حاسس بإيه وأنا بجاوبه. الفكرة إن مع Brandon مفيش حد بيحكم عليك والانترفيو بتبقى عن كل حاجة إلا Brandon نفسه، كل اللي هتلاقيه هو إنسان قاعد قدامك بيسمع وبيستوعب كويس كل كلمة بتقولها. كنت بجاوب في تاني سؤال لما وقفني فجأة وسألني " إنت رايح امتى نيويورك؟ هحب جدًا أعمل معاك انترفيو." الغريب إني لحد اللحظة دي، كنت رحت نيويورك 3 مرات بس في حياتي، بس بالصدفة البحته كنت مسافر لنيويورك الأسبوع اللي بعده."

كده اتفقنا، هقابل Brandon وصاحبته في الوقت ده Aron، وهنتعشى سوا، وبعدين نبقى نعمل الانترفيو. في نص العشاء كنت بدعي يكون نسي الانترفيو. بعدين اتحركنا، رحت أنا و Brandon خدنا الكلبين العواجيز بتوعهم نمشيهم، كان هو و Aron اتبنوا الكلبين دول، ومفيش في بقهم ٣ سنات على بعض.
Aron عندها صفحة جميلة جدا على Facebook عشان تتبنى الكلاب العجوزة وتاخد بالها منهم، اسمها Susie’s Senior Dogs. اليوم بقى عامل زي ما ما تكون قاعد مع اتنين صحابك تعرفهم من زمان، وبعد ما كنت شبه نسيت الموضوع خالص، لقيت Brandon بيبصلي ويقولي "لسه عايز تعمل الانترفيو؟". اتوترت للحظة كده، ده الوقت اللي خلاص لازم أحكي فيه، ودي فرصة إن قصتي يحكيها واحد من أحسن الناس اللي بتحكي قصص في العالم، قولتله "يلا بينا" وأنا عامل فيها عم الواثق، أصل إيه اللي هيحصل، غير إن Humans of New York مش مشهورة أوي بره أمريكا يعني!

النص ساعة اللي نزلنا فيها من بيته عملنا الانترفيو ورجعنا بقت ضبابية جدا، بعد دقايق من بداية الانترفيو كنا احنا الاتنين بنعيط، وأنا عمال أجاوب أسئلته سؤال ورا التاني كنت بحس بحمل بينزاح من قلبي، ثقل كان كابس على نفسي وكل ما اتكلم أكتر كل ما الثقل ده كان يخف، واللي اتبقى في آخر الانترفيو كان بني آدم تاني أفضل.

تاني يوم Brandon ابتدى ينزل قصتي على 5 Posts، ودي كانت حاجة تقريبًا عمره ما عملها. معظم البوستات دي نزلت وأنا في الطيارة فوق المحيط الأطلنطي. لما نزلت في زيوريخ أغير طيارتي وفتحت موبايلي، مصدقتش. الموبايل هنج من كتر النوتيفيكشنز! "إيه اللي أنا عملته ده!" ده اللي جه في بالي.

دماغي كانت بتلف لما بدأت استوعب اللي حصل. رحت حته هادية في المطار، غمضت عينيا وحاولت أسيب نفسي لمشاعري بدل أفكاري. جوايا، بعيدا عن الجنان اللي كان بيحصل في دماغي، كنت حاسس إني خدت القرار الصح وإن كل حاجة هتبقى كويسة، ولحد انهارده حاسس بكده.

في الأيام والأسابيع اللي بعدها، مكنتش ملاحق على رسايل جتلي من كل حته في العالم، من أصدقاء ومن ناس معرفهاش. عمري في حياتي ما شفت كمية دعم وطيبة بالشكل ده. في ناس شاركت معايا صفح بحالها فيها قصصهم اللي عمرهم ما شاركوها مع حد. كنت فخور ومش ملاحق علي كل ده ومش عارف اساعدهم ازاي.

كل ده كان بيحصل في نفس الوقت. قريتهم كلهم ورديت على قد ما قدرت منهم. كنت فاهم كويس يعني إيه تحكي قصتك وتبقى حاسس بضعف بعدها. Brandon ساعدني افتح قلبي بطريقة مكنتش متخيل إني أقدر أعملها، وحسيت إن ده الوقت إني أعمل كده تاني بس بنفسي. كنت عارف إن الخطوة الجاية لازم هتبقى إني استجمع شجاعتي وأقف على مسرح وأشارك قصتي بنفسي. بعدها بحوالي سنة، كنت واقف على مسرح في بيند، أوريغون، لمؤتمر TEDx السنوي بتاعهم واتكلمت قدام 1400 شخص لايف، وآلاف تانيين حوالين في البث المباشر. اللحظة دي كانت من أكتر اللحظات اللي فخور بيها في حياتي.

بعد 3 سنين من ده، Brandon قرر يييجي مصر أخيرًا ويعمل سلسلة مقابلات كجزء من رحلته في أفريقيا. كان ليا الشرف إني اتمشى معاه في شوارع القاهرة والإسكندرية لمدة 3 أيام كمترجم. وبما إني المرة دي التركيز ماكنش عليا فقدرت أركز في التفاصيل واستمتع بيها، كانت تجربة عظيمة جدا إني أشوفه بيشتغل، كل اللي في إيده كاميرا DSLR وموبايله، حتى مش بيسجل الانترفيو خالص، بطريقة ما بيعرف يسجل ملاحظات على موبايله، وياخد صور وإنت بتتكلم، كل ده وهو محافظ على قوة وتركيز الانترفيو.. القصص بتاعته دايمًا بتكون يا تقطع القلب يا تبسط جدًا، وبيقدر يجيب تفاصيل القصة ويكتبها بطريقة جميلة جدًا.

إيه اللي بيخلي قصص Brandon قوية بالشكل ده؟ هل يمكن عشان عمل فوق ال 10,000 انترفيو؟ ولا دي موهبة طبيعية اتولد بيها، ولا اهتمامه الكبير إنه يحكي قصص الناس؟ هسيبك تقرر بنفسك بعد ما تشوف الانترفيو بتاعي معاه. كل اللي أعرفه إني ملقتش طريقة إني أرد بيها الجميل للراجل اللي حكى قصتي، أفضل من إني أحكي قصته.