share this article

الزمان: بداية الألفية
المكان: واحة سيوة
المهندسة نبيلة عزيز وعائلتها كانوا ماشيين على طريق طويل على يمينه جبال وعلى شماله بحيرة والشمس بتغرب على الاتنين في لوحة فنية مش هتشوفها غير وإنت في سيوة، في اللحظة دي عرفوا إنهم عايزين سيوة تبقى بيتهم الجديد، وإن الطبيعة والجمال دول مش هيقدروا يعيشوا من غيرهم. لقوا نفسهم عند أرض بين الجبال مفيش رجل دخلتها من أيام الفراعنة! فكروا ازاي ممكن يستغلوا مكان زي ده محاط بطبيعة متلمستش قبل كده؟ من هنا جتلهم فكرة إنهم يعملوا فندق بيئي يحافظوا بيه على الطبيعة دي ويساعدوا ضيوفهم يستمتعوا بيها. ودي كانت بداية قصتهم مع سيوة من 18 سنة.

طب ما نرجع للطبيعة اللي الناس كلها بوظتها 

مبقدرش أخلي حد يرمي أي حاجة في الطريق ومقدرش أتخيل حد بيرميلي عقب سيجارة في أي مكان مع إني أنا شخصيًا مدخنة
نبيلة كانت عايشة في إسكندرية طول عمرها، وزهقت من تعب وصخب المدينة وكانت عايزة تروح لمكان نائي بعيد عن كل ده، مكان تعرف تبقى فيه في الطبيعة وتعمل اللي بتحبه بقواعدها هي. في سيوة لقيت هي وجوزها الفرصة إنهم يعملوا حاجة لأولادهم وفي نفس الوقت مكان يقدروا الأتنين يمارسوا هوايتهم وشغفهم بالمعمار والفن والرسم.

وفعلًا جم وفتحوا فندق بيئي بعدين سابوه وفتحوا فندق بيئي تاني وده اللي شغالين فيه مع أولادهم بقالهم 8 سنين، فندق تاليست سيوة. لما سألت المهندسة نبيلة ليه قرروا ينقلوا حياتهم كلها لسيوة قالتي "حبي للطبيعة، والإسكندرية كانت ابتدت تبقى مزعجة بالنسبة لي، وكنت عايزة أعمل حاجة لأولادي. أنا عندي 3 شباب ومش عايزاهم يبنوا نفسهم متأخر". وعن سر اهتمامها الشديد بالبيئة والطاقة النظيفة بتقولنا "أنا مش هاجي مكان نائي زي سيوة وأعمل فندق خرسانة بنفس المنطق زي ما أكون في إسكندرية. أي سائح بييجيلنا بيبقى عايز ينزل في مكان زي ده مش فندق عادي".

اهتمام نبيلة وعائلتها بالبيئة خلاها عايشة سنين من غير كهرباء! بتقولنا "أنا عشت 16 سنة من عمري من غير ولا كهرباء ولا تلاجة، من يوم ما جيت سيوة. لمبة بجاز، شمعة، والفوانيس اللي بالجاز برضه، بطبخ عليها وبننام عليها وبننور الموقع عليها". شهر ديسمبر 2017، من أقل من سنة، دخلوا طاقة شمسية نظيفة عشان المكان يبقى إيكولودج فعلًا. انشغال العائلة بالبيئة مش بس بيشمل الطاقة وأضرارها، نبيلة بتقولنا "لما لقينا المكان هنا، قلنا طب ما نرجع للطبيعة اللي الناس كلها بوظتها، فبنحاول منبوظهاش. الطاقة كلها تبقى شمسية والزرع ميتحطلوش مبيدات غير في الحدود المسموح بيها". التركيز ده اتمد كمان للزبالة، "مبقدرش أخلي حد يرمي أي حاجة في الطريق ومقدرش أتخيل حد بيرميلي عقب سيجارة في أي مكان مع إني أنا شخصيًا مدخنة. قبل ما نجيب حد يشيل الزبالة بنفصلها من المنبع عندنا. المطبخ بنحط البلاستيك لوحده والحاجات العضوية لوحدها". الحرص الشديد على البيئة خلاهم يزرعوا معظم الحاجات اللي بيحتاجوها، نبيلة بتقول "كوننا عاملين المكان طاقة نظيفة دي ميزة، أنا عايشة في بيئة نضيفة وبنزرع الخضروات اللي بنستعملها".

بعرف استعمل إيدي، لو فكرت في فكرة أعملها للمكان، هعرف ازاي أنفذها، مش عايزة حد ينفذهالي

هو يصمم الكرسي مثلًا وبعدين يطلع الورشة عنده كل المعدات، يعمل الكرسي ويبعتلي الكرسي أنا أشطبه وأدهن أو أصبغ وأحرق. حياة كده بالنسبة لي مش مملة
لما تخش تاليست هتحس إنك دخلت عالم موازي، فيه كل حاجة العائلة بتعملها عشان بيحبوا ده ومبسوطين بيه. أول ما تدخل الفندق هتحس إنك دخلت حتة من الجنة، المكان معمول بين جبال وقدامه الناحية التانية بحيرة جميلة، حمام السباحة في الفندق بصيت كده لقيته مش لبني زي ما متعود! لما سألت اتفاجأت إنه مياه جاية من عين وبتتجدد كل شوية.

 لما تخش بقى الأوض والاستقبال الدنيا بتختلف تمامًا. رسومات جميلة في كل حتة، نقوش ورا السراير، مصنوعات يدوية متعلقة في كل حتة ومخلية المكان شكله بسيط وشيك، المكان كله تحسه بيت عائلة مش فندق. المطعم منظره يفتح النفس من غير أكل حتى، نفس الديكور اللي معمول بالأيد وكراسي منقوشة زي ما تكون معمولة يدوي، وطلعت كده فعلًا. نبيلة بتقولنا "دي كراسي جوزي عملها تصميم وتنفيذ بإيده". زوج نبيلة المهندس السيد الدمياطي مهندس معماري شاطر، وحبه للتصميم مش نظري بس، ده بيحب يشتغل بإيده جدًا، نبيلة بتقولنا "هو معماري بيحب العمارة والنجارة، فبقينا عارفين هنا نتعامل. هو يصمم الكرسي مثلًا وبعدين يطلع الورشة عنده كل المعدات، يعمل الكرسي ويبعتلي الكرسي أنا أشطبه وأدهن أو أصبغ وأحرق. حياة كده بالنسبة لي مش مملة، ولاقية راحتي بطريقة مش معقولة، وده بينعكس على احساس الضيوف بالمكان"، ودي حقيقة، في تاليست مش بتحس إنه فندق وخلاص معمول عشان أكل عيش، المكان معمول بحب وشغف، الرسومات مرسومة رسمة رسمة بالإيد عشان نبيلة بتحب كده، بتمسك الفرشة ترسم وردة وردة ورسمة رسمة بإيدها، من غير ما تستعمل اسطمبة!

 كل رسمة بترسمها من غير أي حاجة ترشدها غير حسها الفني. وأنا بكلم نبيلة كنا قاعدين في حاجة زي أوضة صغيرة معروض فيها حاجات كتير، فوجئت إنها عاملة كتير من الحاجات دي! مصنوعات يدوية كتير وبتعمل منحوتات من الملح، الغريب إن رحت سوق في سيوة بيعمل المنحوتات من الملح دي بس كان شكلها مختلف، ورحت كمان ورشة النجار اللي بيعمل الحاجات دي وشفت الشنيور والصاروخ والأدوات الكتير، فلما سألت نبيلة ليه بتوعها مختلفين اكتشف إنها بتعملهم بإيدها! بتقولنا "أنا بستعمل أدوات يدوية عشان أعمل الملح، وعشان كده مفيش واحدة شبه التانية. بيطلع أحلى وباين إنه شغل إيد"، وفعلًا الشكل والfinish مختلف تمامًا عن اللي شفتهم في السوق. نبيلة بتقولنا إنها بتعمل كل ده عشان بتحب تشتغل بإيدها، "بعرف استعمل إيدي، لو فكرت في فكرة أعملها للمكان، هعرف ازاي أنفذها، مش عايزة حد ينفذهالي".

 ودي حاجة هتلاحظها في طبعها، هي شخص بيحب يعمل الحاجة بنفسه وينجز بسرعة، وبتحب تشتغل بنفسها وعندها اهتمام غريب بأدق التفاصيل، لدرجة إنها بتعلم الناس معاه ازاي يلبسوا المخدة الكيس بأسلوب معين ويحطوها ازاي عالسرير!

 نبيلة مش بس بترسم، وبتعمل مصنوعات كتير متنوعة بإيدها، وبتشرف على الفندق، دي بتطبخ كل أكل الفندق بنفسها كمان! وسمعة الأكل في الفندق سابقاه بدرجة إن في ناس بتجيلها مخصوص من قلب سيوة – حوالي نص ساعة بالعربية – عشان ياكلوا من أكلها، بتقولنا "لما بعمل الأكل بعمله زي ما أكون بعمله لبيتي وأفضل، ودي حاجة ميزت المكان". وتركيزها برضه على أدق تفاصيل الأكل هو اللي عامل الفرق، "مش عايزة الطبخ التقليدي بتاع الفنادق، الناس هنا حاسه إنهم في بيت وحد مضايفهم"

نبيلة مع عدد من معروضاتها ومعروضات أصدقاء ليها

وعلى الرغم من كون حاجة زي طبخ لعدد الناس ده كل يوم متعب، بس هي بتعمله بمزاج. "متعب إنك تطبخ لكل ده، بس أنا بعمل كده وأنا مبسوطة وبعمله بمزاج".

سيوة لقيتكم وإنتم لقيتم سيوة

ساعات أخلص أوضة، وأسيبها مقفولة، بعدين لما أجي أخش ببتسم، بحس الأوضة مبهجة واللي هيدخل فيها هتترسم على وشه ابتسامه، ودي بالنسبة لي بالدنيا
لما تتكلم مع نبيلة وتشوف حجم الشغل اللي بتعمله، هتحس إنك بتتكلم مع شخص خارق، هل كل اللي بتلحق تعمله عشان بتحب شغلها جدًا؟ ولا عشان زي ما قالتلنا مبتستعملش إنترنت ولا تعرف عنه حاجة أصلًا؟ "أنا بشتغل كل يوم من 7 الصبح إلى 11 بليل من غير راحة. بلاقي وقت عشان بحب اللي بعمله. كم الجهد اللي بيتبذل مش ممكن حد يعمله لو مش حابب الموضوع"، والموضوع مش حب اللي بتعمله بس، شغلها بيبسطها كمان، "ساعات أخلص أوضة، وأسيبها مقفولة، بعدين لما أجي أخش ببتسم، بحس الأوضة مبهجة واللي هيدخل فيها هتترسم على وشه ابتسامه، ودي بالنسبة لي بالدنيا، كفاية عليا أحس إن الناس مبسوطة".

العالم اللي نبيلة وعائلتها خلقوه لنفسهم جميل وبسيط، وهي بتقولنا إن عمرها ما بتفكر تسيب سيوة. "بقالي 18 سنة، دي بقيت بلدي خلاص". والاهتمام بالفن والبيئة بقى موجود في أولاد نبيلة والسيد، بتقولنا "من صغرهم الأولاد شايفين، كلامنا في البيت كانوا كله فيه عمارة وديكور وكانوا دايمًا شايفين أمهم بتلون وترسم وأبوهم على لوح هندسية. كبروا وكل ده حواليهم وتشبعوا بيه، ولقوا إن ميولهم في نفس الإتجاه".

قرار إنك تنقل حياتك مكان جديد ده مش سهل، بس شوية كلام مع نبيلة وهتحس إن سيوة دي طول عمرها بلدها، حبها للمكان وحفاظها على الطبيعة مع راحتها النفسية هناك هيحسسوك إنها سيوية أبًا عن جد. نبيلة بتقولنا وهي بتبتسم إن واحدة صاحبتها عارفاها من قبل ما تيجي سيوة بتقولها " سيوة لقيتكم وإنتم لقيتم سيوة" ودي من أكتر الحاجات الحقيقية اللي ممكن تسمعها، عارف كده لما تشوف حد وتحس إنه في مكانه، وإنه لو سافر الدنيا كلها مش هيلاقي مكان ينتمي ليه زي ما هو في مكانه الحالي؟ ده حال العائلة دي. شخصيًا، عمري ما حسيت بإحساس الإنتماء ده، وبعد ما قعدت مع نبيلة وعائلتها، رغبتي بإني ألاقي مكان ويلاقيني زادت، وأتمنى في يوم من الأيام ألاقي المكان اللي أحس إنه بيتي زي ما هما لقوا سيوة.