share this article

.. الشارع اتلم على الخناقة، وأنا مش مصدقة إن ده كله بيحصلي أخدت شنطي وهربت من المكان، هربت خالص، وفضلت امشي علي رجلي لدرجة إني مش فاكرة مشيت قد إيه ولا روحت فين، أخدني الطريق لحتة عتمة تحت الكوبري ومياه المجاري من تحتيه، حطيت شنطتي و طلعت ملاية اتغطيت بيها ونمت من التعب والرعب اللي في قلبي، كنت بصحى على صوت فيران بس من العتمة مكنتش شايفة ومن الخوف فقدت أي إحساس بالجوع أو التعب.

طبعا دي ماكانتش البداية، لكن عشان نفهم وصلت للنقطة دي ازاي محتاجين نرجع بالزمن لقبل اللحظة دي بكام يوم.

من القاهرة لـ "جاكرتا".. أو العراق مش متأكدة

دي أول مرة احضر فيها شنطة سفر، أول مرة اروح المطار، أول مرة اركب طيارة، دي أول مرة احس إني وصلت بالخوف مرحلة بقيت بعدها مش سامعة ومش شايفة، حاسة أكن راسي معزولة عن العالم الخارجي، بابا ساب إيدي وهو بيسأل بتريقة:إنتي مسافرة فين؟ العراق ولا فين؟
بابا مكنش موافق علي مبدأ السفر بس في نفس الوقت معترضش طريقي، لكن ماكانش مهتم بأي تفاصيل أبعد من أني مسافرة. ضحكتله وقلت: أه، يمكن.
من جوايا فقدت كل الأحاسيس التانية زي الإفتقاد والسعادة والحماس وسط خوفي، عديت من أبواب المطار وأنا ماسكة في شنطتي جامد، بعدين عديت التفتيش ومال عليا الشيال وهو بيهمس: مش هتديني حاجة؟

فضلت مستنية في صالة السفر كتير، أو أنا حسيت إنه كتير بس ضاع الوقت مني، أنا سرحانة في راجل خليجي لابس ساعة دهب تقيلة و جلابية مكوية وأنيقة ومعاه شنطة جلد، تخيلت إن جواها فلوس ياما، استقرت عيني عليه وراح الخوف في دماغي وانا بعمل قصص إن ياتري الراجل ده مسافر إندونسيا ليه؟ و انا مسافرة ليه؟. صاحبتي من وأنا طفلة صغيرة كانت مسافرة برضه معايا إندونسيا بس هي نزلت في العاصمة "جاكرتا" لما وصلت المطار - متأخر زى العادة - اختفى إحساس السفر والطيران من جوايا وحل مكانه شعور بالهدوء وأكننا رايحين رحلة تبع المدرسة.

ركبنا الطيارة جنب بعض بنحكي ونهزر سوا، والطيارة بتبعد عن الأرض تدريجيًا، ورجعت ليا سعادتي وحماستي بإحساسي الأول بالطيارة، اتفرجنا علي مصر من فوق وهي بتبعد وبتصغر والغيم بيكسيها وبيحجبها بعيد عن نظري، ومع بُعدها حسيت إن في قلبي حاجة حزينة بس تجاهلتها، بعد ساعتين من دخول المضيفة وهي بتسأل Beef or Chicken، ميلت علي صاحبتي كده، لأ هو إيه هدفع فلوس من أولها؟ هقولها مش جعانة وخلاص. لما عرفت إن الأكل علي الطيارة ببلاش، أكلت، مأكلتش وبس! ده أنا مسحت طبقي مسح. وقولت في عقل بالي" ده بفلوسي" عشان محسش بأي خجل أو توتر وأنا بطلب خامس كوباية بيبسي.


 المصدر: نورا تميم
نزلنا أول ترانزيت في"جاكرتا" وريم - صاحبتي - أخدت شُنطها ومشيت، وهي ماشية رجع ليا كل إحساسي بالخوف من تاني ورجع يحجبني عن كل العالم الخارجي، لا أنا سامعة ولا شايفة حاجة ورجعت روحي تتكور في حتة بعيدة، غيمة سودة حجباها، وأقلعت الطيارة اللي أخدت وقت حوالي ساعتين عشان أوصل "مكاسر"، وهي قرية صغيرة موجودة في جزيرة "سولاويسي". الطيارة  كلها كانت إندونيسيين، وابتديت اغرق بين نظرات غريبة ولغة شبه أكن حد بينفخ في كوباية مياه بشاليموه "بؤبؤ". حاولت ادوق الأكل اللي كان في الطيارة بس كانت ريحته سمك بايظ وحسيت إني خايفة إن يكون الأكل كله في "مكاسر" كده، فتحت الأكل وقمت قفلته وأنا بشهق: يالهوي!
وصلت إندونسيا، وجت خدتني البنت الإندونسية اللي هعيش عندها في البيت، كان الوقت متأخر وكل الناس بتبص عليا، علي وشي، علي ملامحي بشكل مُربك مش مفهوم، طلعت بره المطار أخيرًا لقيت البنت الإندونسية، المفروض إني هعيش عندها في البيت طول المدة، إسمها الحقيقي"حسنية" بس ده صعب عليهم في النطق فبقى إسمها "نيا". حضنتني جامد أكنها فضلت العمر كله تستناني إني أوصلها، أخدتني في عربية صاحبتها واتحركنا، الشوارع واسعة وشرحة وبرحة علي الجانبين جناين، إيه رأيك في إندونسيا؟، نضيفة أوي يا نيا، قامت هي وصاحبتها ضحكوا.


 المصدر: نورا تميم
من الشوارع الواسعة لشوارع ضيقة فأضيق، لحد ما وصلنا بيتها كانت الساعة 3 الفجر، ومكنتش عارفة أتفرج علي البلد أوي عشان الليل وتعب السفر، هموت وانام يا هووووه! باباها ومامتها كبار في السن وكانوا بيستنوني برة البيت كأني بجد حد من العيلة، أخدت شنطتي ونزلت وهم شالوهالي، عشان ضيفتهم بقى وكده، سلمت عليهم وحضنتهم ودخلنا البيت، البيت مكون من دور واحد واسع ولونه بني في أورانج وقدامه ساحة فيها عربية وموتسيكلين، رفعت راسي لفوق لقيت 6 أبراص مليانين علي السقف والحيطان فدخلت جوه البيت وأنا مُرهقة، البيت بسيط جدًا وقديم أكنه بيت جدتك، وعلى الحيطان آيات من القرأن، قعدوني في الصالة وقدمولي شاى ومعاه بسكوت كده شبه "البيتي فور" فمديت إيدي علي سكرية أحط معلقة ورا التانية ولسه هحط التالتة بس لقتهم مستغربين فرجعتها تاني، يالهوي!
دخلت الأوضة لقيت بنت بتقوم من على السرير ببرود و(نيا) عرفتني عليها، إسمها (كاترينا) من روسيا وهنعيش إحنا التلاتة سوا في نفس الأوضة، وهننام على نفس السرير، حسيت من نظراتها إنها مش حباني وسألتني إني ابطل دوشة بقى عشان تقفل النور وننام، وطول الليل كانت تصحيني وهى بتزعق في وشي علشان اتقلبت وعديت المخدة اللي بيني وبينها.

كل حاجة هنا غريبة.
مُدرسة عربي وقرآن لحد ما يجيبوا مُدرسة قرآن: المصدر: نورا تميم
لمَا قررت إني اسافر إندونسيا كنت مقررة إني اتطوع في التدريس لأي مدرسة محتاجاني، واتطوعت فعلًا في مدرسة بتاعة ولاد الذوات "أثيرا الإسلامية للغات"، كنت جاية عايزة اتطوع لتدريس الإنجليزي، بس لما عرفوا إني جاية من مصر وإني مُسلمة صمموا إني أدرس للأطفال عربي، ومش عربي بس، لاء وقرآن كمان. هناك قابلت بنات مغربية متطوعين زى تمام بس بيعلموا فرينش، كان لازم وقتها إني ابدأ في مذاكرة لغة إندونسيا" الألباسا الإندونيسية" عشان اعرف أتعامل مع الطلبة لأنهم بيفهموا إنجليزي خفيف خالص،  فكنت بشتغل بالنهار وبالليل أذاكر. أول ما كنت أخش المدرسة كانوا الأطفال يجروا عليا يبوسوا إيدي وبعدين يحطوا جبينهم علي إيدي، كانت حاجة بنسبالي جميلة أوي وكنت بحب أخليهم يبوسوني وأبوسهم علي خدهم بدل إيدي بس إكتشتفت بعدين من كذا مدرس إن اللي بعمله ده غلط وميصحش، وده كان بنسبالي مُحبط أوي بعد كمان ماخلوني أدرس قرآن غصب عني، بس مش مهم.

 المصدر: نورا تميم
في إندونسيا لازم تقلع جزمتك قبل ما تخش البيت، وتمشي حافي جوه، وفي الفصل كمان، بيعتبروهم أماكن مُقدسة. بس ده عادي يمكن ده اللي يبرر إن في مرة كنت قاعدة فوق الديسك وبشرح الدرس لقيت العيال كلها بتبص لبعض وتضحك، طبعًا أنا وقتها ماكنتش فاهمة في إيه اللي حاصل طيب!
بعد 3 اسابيع جاتني ست غنية أوي من أعيان البلد بتقولي إن عيالها فاشلين خالص، وهى عارفة إني عايشة في بيت عند واحدة فقيرة، وعرضت عليا إني أروح أعيش في بيتها مدة شغلي في المدرسة ومترددتش ثانية ووافقت.

أول ما نقلت والمشاكل بدأت تلاحقني بسبب عدم فهمي لثقافتهم أو إنها بعيدة أوي عن ثقافتنا، وده كان مُجهد ليا، بعد عزالي بـ 10 أيام، وبعد ما افتكرت إن ربنا رحمني من اللي كنت شايفاه قبل كده، بدأت إدارة المدرسة توجهلي تنبيهات عن عدم لبسي للحجاب أثناء التدريس وإن ده ممنوع، وبعد ما رفضت رفض تام، روحت البيت لقتهم راميين ليا شوية لبس في مدخل الفيلا، وعايزني ألم شنطي حالًا وامشي، اتحايلت علي الست صاحبة البيت تصبر عليا شوية عقبال ما ألاقي صرفة وأشوف هروح فين، كان وقت صعب وكنت حاسة بإهانة وقلة حيلة وكمان معيش فلوس، فمش هعرف أتصرف في بيت اسكن فيه لحد ميعاد طيارتي، فضلت في البيت يومين مش بطلع برا الأوضة ومش عارفة اتصرف إزاى، اتصلت بـ "كاترينا" استنجد بيها وعلى الرغم إني كنت بحسها دايمًا قرفانة مني وكرهاني إلا إنها ساعدتني، ووصلتني بناس هى بتشتغل معاهم في الشركة. 

المصدر: نورا تميم
اتفقت مع ولد صاحبها إنه يجي ياخد شنطي من البيت ويساعدني في إني أنزلها وحكتله علي كل حاجة حصلت وإن المدرسة طردتني، وطالما إني اتطردت من الشغل فلازم أسيب البيت، وجه فعلًا معايا البيت وطلع علشان يساعدني، معرفش إيه حصل بس لقيت فجأة أخ الست بيخبط عليا باب الأوضة وكان هيكسره، فتحت الباب لقيته بقى في نص الأوضة وقاعد بيصوت بكلام مش فاهماه، وقعد يدور في أوضتي وتحت السرير على حاجة، شكيت مثلًا إنهم فاكرني سرقت حاجة من بيتهم، فطنشته و كملت مناولة الشنط للولد اللي بيساعدني عادي، أول ما شافه هبت خناقة بينه وبين الولد، ولمَا سألت في إيه طلع إنه افتكر إنه دخل البيت ودخل أوضتي، وعاتبه لأنه هو عارف الثقافة، وعارف إن ده مش مسموح إنه حتى يقف على باب بيت ناس، من غير ما يستأذن من صحاب البيت، الشارع اتلم على الخناقة، وأنا مش مصدقة إن ده كله بيحصلي أخدت شنطي وهربت من المكان، هربت خالص، وفضلت امشي علي رجلي لدرجة إني مش فاكرة مشيت قد إيه ولا روحت فين، أخدني الطريق لحتة عتمة تحت الكوبري ومياه المجاري من تحتيه، حطيت شنطتي و طلعت ملاية اتغطيت بيها ونمت من التعب والرعب اللي في قلبي، كنت بصحى على صوت فيران بس من العتمة مكنتش شايفة ومن الخوف فقدت أي إحساس بالجوع أو التعب.

كده رجعنا للحظة اللي ابتدينا منها. في ناس بتقول إن الوصول للقاع جميل لإنك بتعرف إن الأمور مش هتسوء عن كده، وإنها أكيد في طريقه للتحسن، أقدر أقول إن ده اللي حصل فعلا، اللحظة دي كانت القاع المظلم بالنسبة لي، واللي حصل بعد كده إن الدنيا ابتدت تنور من جديد، صحيت مع الشمس واتحركت بشنطي وابتديت احس إني بعدت شوية فرجعت تاني المسافة اللي مشيتها، آه صح نسيت أقول إني مكنش معايا خط تليفون إندونيسي أصلًا.


المصدر: نورا تميم
روحت قعدت في KFC أكلت وإستخدمت الـ Wi-Fi ودخلت لبست جلابية بيت وغطيت راسي، كنت تعبانة وهلكانة وحاسة بعدم أمان، الست (كاترينا) كانت عملت تحركاتها لمَا لقتني اختفيت وقالت لكل الناس، فلقيت (نيا) بتكلمني وصحابي اللي من المغرب وولد مصري كان متطوع في حاجة هناك برضه في نفس القرية، وهو كان ساكن في بيت لوحده، جه أخدني من المكان اللي أنا فيه ووداني البيت عنده، كان مكسوف جدًا ومتوتر لدرجة إنه سابلي البيت كله أتصرف فيه زى ما أنا عايزة، وكان بيجي البيت بالليل، كنت بسمعه بيتسحب علي طراطيف صوابعه عشان ما يخوفنيش أو يقلقني حتى، الحمام كان في أوضتي فكان بينزل يستخدم أى حمام تحت، وده خلاني أشفق عليه من التوتر ده، فأخدت شُنطي تاني ومشيت.

قضيت يوم كمان في الحتة اللي عند الكوبري، بس وقتها أنا كنت فقدت الإحساس بالخوف ومعاه كل الأحاسيس التانية، بقيت حاسة بالتبلد واليأس لحد ما شُفت رسالة تاني يوم الصبح في KFC من الولد اللي كان بيساعدني أنقل شنطي وجابلي شغل في الشركة اللي بيشتغل فيها، روحت في ساعتها المكان بشنطي وكانوا طالبين مني أعلم إنجليزي للصحفيين المبتدئين وفي المقابل هيدوني مرتب بالدولار في الأسبوع وممكن انام وأسيب حاجتي في المكتب عادي، وهو مكنش مجرد مكتب هو كان مبنى ضخم أو أكبر مباني مكاسر للمؤسسة "الفجر".

المصدر:نورا تميم

جومي بينا نمشي:

عدى إسبوعين وأنا بشتغل هناك، بعدين أول ما قبضت الأسبوع التاني كلمت ريم - صاحبتي اللي في جاكرتا - وحكتلها كل اللي حصل، وبكل سلاسة اتفقنا إننا نحجز طيارة لماليزيا ونتقابل هناك، مكنتش مصدقة إن حقيقي هنقدر نعمل كده بس بالفعل حجزت وشفتها بعد 3 شهور عذاب، قررنا نقضي الـ 10 أيام في كوالا لامبور نعمل فيهم سياحة الولاحاجة بس دي قصة نحكيها في يوم تاني..

بعد 10 أيام رجعنا سوا جاكرتا ناخد طيارتنا لمصر الحبيبة.
حمد الله على السلامة.